المجتمعات تتطور، و الكثير من المؤسسات لم تعد مجدية للمواكبة. الحقيقة التابثة هي أن المؤسسات لا تسقط دفعة واحدة، بل تتآكل ببطء… تفقد دورها قبل أن تفقد وجودها. هكذا تبدو النقابة اليوم في المغرب: حاضرة في الشكل، غائبة في الجوهر، تتكلم لغة زمنٍ لم يعد قائماً، وتخاطب مجتمعاً لم يعد يُشبه قواعدها القديمة.
لم يعد العامل المغربي ذلك الذي كانت تُبنى عليه الأدبيات النقابية الكلاسيكية. لم يعد محصوراً داخل مصنع أو إدارة، ولا يعيش ضمن علاقات شغل مستقرة تسمح بتراكم الوعي الجماعي والتنظيمي. نحن أمام واقع جديد تشكل بهدوء ولكن بعمق: اقتصاد متحوّل، سوق شغل مرن إلى حد الهشاشة، فئات واسعة خارج التغطية، وأجيال تدخل عالم العمل بلا ذاكرة نقابية أصلاً.
في هذا السياق، يطرح السؤال نفسه بحدة لا تقبل المجاملة: عن أي قاعدة اجتماعية تتحدث النقابات اليوم؟
القاعدة التي نشأت عليها النقابة كانت واضحة المعالم: عمال مأجورون، علاقات شغل مستقرة، صراع اجتماعي مباشر مع أرباب العمل، ودولة تتدخل غالباً كحَكَم. أما اليوم، فقد تكسّرت هذه المعادلة. العامل أصبح فرداً أكثر منه جزءاً من كتلة، يتنقل بين وظائف مؤقتة، أو يشتغل خارج أي إطار قانوني، أو يدخل اقتصاد المنصات حيث لا مشغّل واضح ولا علاقة شغل تقليدية.
في المقابل، بقيت النقابة أسيرة بنيتها القديمة: نفس الخطاب، نفس الآليات، ونفس الوجوه أحياناً. تتحدث عن “الطبقة العاملة” وكأنها كتلة متجانسة، بينما الواقع يقول إن هذه الطبقة نفسها تفككت إلى فئات متعددة، لكل منها هواجس مختلفة، بل ومتناقضة أحياناً.
الأمر لا يتعلق بأزمة تنظيم، بل بأزمة تمثيل. النقابة لم تعد تعرف من تمثل، ولا كيف تمثل. لذلك فقدت تدريجياً قدرتها على التأثير، ليس لأن الدولة أضعفتها، بل لأن المجتمع تجاوزها.
لقد انتقلت الدولة، بدورها، من منطق الصراع إلى منطق التدبير. الحوار الاجتماعي أصبح مؤطراً، والسياسات العمومية تُبنى بأدوات تقنية ومالية معقدة. في هذا العالم الجديد، لم الشعارات لا تجدي و تنظيم الإضرابات لا يفرض توازنا بقدر ما يفرز طبقات هجينة، أقلية تبني نجاحها الشخصي… المطلوب اليوم هو قيادات نقابية تفهم الاقتصاد، و منطق الدولة، و معادلات الإنتاج والتوزيع.
النتيجة؟ النقابة اليوم التي لا تُتقن لغة الاقتصاد، ولا تُجيد قراءة الأرقام، ولا تُحوّل مطالبها إلى مقترحات قابلة للتنفيذ، و تحولت من فاعل إلى منتج لخطاب عقيم…و صدى باهت لصراعات سياسية لا تخص الشغيلة في شيء.
ولعل أخطر ما في هذا التحول، ليس ضعف النقابة في حد ذاته، بل الفراغ الذي تتركه. لأن غياب تمثيلية حقيقية للفئات الهشة لا يعني اختفاء مطالبها، بل يعني تراكمها خارج أي إطار مؤسساتي. وهذا ما يفتح الباب أمام أشكال جديدة من الاحتجاج، أقل تنظيماً، وأكثر اندفاعاً، وأحياناً خارج منطق التفاوض نفسه.
إن السؤال الحقيقي اليوم ليس كيف تستعيد النقابة قوتها، بل كيف تعيد تعريف نفسها. كيف تنتقل من نقابة “القطاع المنظم” إلى نقابة “المجتمع العامل” بكل تعقيداته؟ كيف تخاطب العامل غير المهيكل، والمستقل، وصاحب المشروع الصغير، والعاطل المؤهل، دون أن تفقد هويتها؟
تلك هي المعركة الحقيقية… معركة الوجود.
فإما أن تُعيد النقابة بناء مشروعها على قاعدة اجتماعية جديدة، تعترف بتغير العالم وتستوعبه، وإما أن تظل حبيسة ماضيها، تُدير معارك الأمس في زمنٍ لم يعد يعترف إلا بمن يفهم شروطه.
وفي السياسة كما في التاريخ، لا مكان طويلاً لمن يتأخر عن زمنه.





















