نجيبة جلال /
كلما خفت بريق حدث ما أو تراجعت قدرة بعض الوجوه الإعلامية على صناعة الجدل، يعود ملف الريف إلى الواجهة. ليس باعتباره ورشاً للتنمية أو موضوعاً للنقاش الهادئ والمسؤول، بل باعتباره خزاناً جاهزاً للتعبئة والاستقطاب واستدعاء مشاعر الغضب والاحتقان.
وفي هذا السياق، يبرز اسم حميد المهداوي من جديد، ليس فقط من خلال خطابه الإعلامي المعتاد، بل أيضاً عبر تحركات يصفها عدد من المتابعين بأنها محاولة لإعادة بناء حالة من الاصطفاف حول شخصه تحت عنوان المظلومية والصراع مع
مؤسسات الدولة.
فوفق قراءات متقاطعة يتداولها مهتمون بالشأن العام في منطقة الريف، يبدو أن المهداوي يحاول إقناع عدد من المنابر الإعلامية المحلية بأن هناك جهات تستهدف ما يسميهم “المناضلين”، وأنه شخصياً يتعرض لحملات تشهير وتضييق لا تجد شكاياته بشأنها طريقها إلى الإنصاف. وهي رواية تتكرر في أكثر من مناسبة، وتعيد إنتاج الخطاب نفسه الذي رافق
محطات سابقة من التوتر.
غير أن السؤال الذي يطرحه كثيرون اليوم هو: إلى أين يقود هذا الخطاب؟ وهل يخدم فعلاً مصالح سكان الريف أم أنه
يخدم معارك أخرى؟
منتقدو المهداوي يرون أن الرجل لم يقطع أبداً مع منطق الاستثمار السياسي والإعلامي في أزمات المنطقة. ويعتبرون أن استحضار بعض الأسماء والعائلات المرتبطة بأحداث الريف، وتقديمها في سياقات الصراع مع الدولة، لا يخرج عن محاولة توظيف رمزية تلك المرحلة لإعادة بناء جبهة ضغط جديدة.
ويذهب بعض هؤلاء المنتقدين إلى أبعد من ذلك حين يعتبرون أن ما يجري اليوم يعيد إلى الأذهان أدواراً لعبتها بعض المنابر والشخصيات الإعلامية خلال فترة الحراك، عندما تحولت التغطية في بعض الأحيان من نقل الوقائع إلى المساهمة في رفع منسوب التوتر والاستقطاب داخل الشارع.
ولا يتعلق الأمر هنا بإدانة حق التعبير أو الاختلاف في الرأي، فذلك حق مكفول للجميع، وإنما بالتساؤل حول حدود المسؤولية الإعلامية عندما يصبح الخطاب قائماً بشكل دائم على استدعاء الصدام وتغذية الشعور بالمواجهة بين المواطنين ومؤسساتهم.
لقد دفع الريف ثمناً باهظاً خلال سنوات الأزمة. ودفع شباب المنطقة وعائلاتهم والمجتمع المحلي بأكمله كلفة مرحلة كان الجميع يأمل أن تطوى صفحاتها لصالح التنمية والاستثمار وإعادة بناء الثقة. لذلك فإن إعادة إنتاج المناخ نفسه، تحت أي عنوان كان، لا يمكن إلا أن تثير القلق والتساؤل.
إن أبناء الريف لا يحتاجون اليوم إلى من يبيعهم الأوهام أو يستغلهم مرة أخرى. إنهم بحاجة إلى من يدافع عن قضاياهم الحقيقية، من شغل واستثمار وتنمية وبنيات تحتية وفرص للأجيال الصاعدة، لا إلى من يحول ذاكرتهم الجماعية إلى وقود لمعركة إعلامية مفتوحة.
ولهذا يبقى السؤال مشروعاً: هل يسعى حميد المهداوي فعلاً إلى خدمة قضايا الريف وسكانه؟ أم أن الأمر يتعلق بمحاولة جديدة لتجميع الأنصار وبناء اصطفافات وضغوط سياسية وإعلامية انطلاقاً من ملف لا يزال يحمل الكثير من الحساسيات والآلام؟
وحدها الأيام القادمة كفيلة بالإجابة. لكن المؤكد أن الريف يستحق مستقبلاً أفضل من أن يبقى رهينة لخطابات التوتر، أو ساحة لتصفية الحسابات، أو منصة لإعادة إنتاج الأزمات التي دفع الجميع ثمنها غالياً.





















