اوسار أحمد/
في زمنٍ تتسارع فيه الصحف الرقمية والورقية وتتنافس فيه الحسابات على لفت الانتباه بأي ثمن، صار من المقلق أن يُعاد تعريف الصحافة الاستقصائية بطريقة مشوهة، تبتعد شيئاً فشيئاً عن جوهرها المهني الصارم، وتقترب أكثر من منطق الإثارة والبحث عن التفاعل السريع. ما يُقدَّم اليوم في بعض المنابر على أنه “تحقيق استقصائي” لم يعد في كثير من الأحيان سوى تجميعٍ من أرقام منشورة أصلاً، ومعطيات متداولة في التقارير الرسمية، يعاد ترتيبها داخل قالب لغوي مكثف يوحي بالعمق بينما يفتقد إلى جوهر الاستقصاء الحقيقي.
الخلل ليس في استخدام الأرقام أو البيانات، فهي أدوات أساسية في العمل الصحفي، بل في اختزال الاستقصاء نفسه في هذه الأدوات وحدها. كأن مجرد إدراج جداول وإحصاءات كافٍ لمنح المادة صفة التحقيق الاستقصائي، حتى وإن كانت تلك المعطيات في متناول الجميع، منشورة في مواقع المؤسسات العمومية، أو متداولة في تقارير مفتوحة لا تتطلب جهداً بحثياً استثنائياً. هنا بالتحديد يبدأ الانحراف المهني: عندما تتحول الوسيلة إلى غاية، وعندما يُستبدل جوهر الكشف بسطحية الجمع.
التحقيق الاستقصائي، في أصله، ليس عملية تجميع معلومات جاهزة، بل هو اقتحام صعب لمناطق لا يراها الجمهور، ولا تصلها العين العادية، ولا تظهر في التقارير الرسمية. هو جهد شاق يبدأ من فرضية مشروعة، ويتغذى على الشك المهني، ويقود الصحفي إلى البحث عن وثائق غير منشورة، وشهادات غير معلنة، ومسارات مالية أو إدارية أو سياسية محجوبة عن التداول العام. هناك فقط يصبح للاستقصاء معناه الحقيقي: عندما يُسحب الستار عن ما هو مخفي، لا عندما يُعاد ترتيب ما هو معروف.
لكن ما نشهده اليوم عند بعض الممارسات الإعلامية هو نوع من “التضخيم الشكلي” للعمل الصحفي. عنوان كبير، لغة حادة، أرقام كثيرة، وإيحاء دائم بأننا أمام كشف خطير، بينما المحتوى في جوهره لا يتجاوز إعادة تدوير لمعلومات متاحة مسبقاً. والأسوأ من ذلك حين يتحول هذا النمط إلى قاعدة، فيُصبح معيار “الاستقصاء” مرتبطاً بطول النص وكثافة البيانات، لا بعمق الوصول إلى المعلومة أو جهد التحقق منها.
إن خطورة هذا المسار لا تكمن فقط في إرباك القارئ، بل في تفريغ مفهوم الاستقصاء من محتواه. فحين يُساوى بين من يكشف وثائق غير منشورة ومن يعيد صياغة تقارير متاحة، تضيع الحدود الفاصلة بين الصحافة البحثية الجادة وبين المحتوى الإخباري الموسع. وهكذا يفقد الجمهور الثقة تدريجياً، لأن ما يُقدَّم له تحت لافتة “الكشف” لا يحمل في كثير من الأحيان أي عنصر كشف فعلي.
الاستقصاء الحقيقي لا يُقاس بعدد الصفحات ولا بكمية البيانات، بل بعمق الاختراق في بنية الصمت، وبالقدرة على الوصول إلى ما لا يُراد له أن يُعرف. هو عمل يقوم على الصبر، وعلى التحقق المتكرر، وعلى بناء شبكة مصادر لا تكتفي بما هو معلن، بل تبحث عما هو محجوب ومسكوت عنه. وفي غياب هذا الجهد، يصبح الحديث عن “تحقيق استقصائي” مجرد استعارة لغوية لا أكثر.
لقد تحولت بعض التجارب إلى مطاردة للبروز الرقمي، حيث يُستبدل معيار الدقة بمعيار الانتشار، وتُقاس قيمة المادة بعدد المشاركات لا بقوة ما تكشفه من حقائق. وفي هذا السياق، يصبح العنوان أكبر من المضمون، وتتحول الصحافة إلى واجهة جمالية لشيء لا يحمل بالضرورة وزنه المهني.
الاستقصاء ليس ترفاً لغوياً ولا قالباً جاهزاً للاستهلاك الإعلامي. هو ممارسة دقيقة، صعبة، ومكلفة أحياناً، تتطلب التزاماً أخلاقياً قبل أن تتطلب مهارة تقنية. وما لم يُستعد هذا المعنى الصارم، سيظل مصطلح “التحقيق الاستقصائي” يُستخدم كثيراً، بينما يُمارس فعلياً بشكل أقل بكثير مما يُعلن عنه.





















