عاد الجدل السياسي في تونس إلى واجهة المشهد من تحت قبة البرلمان، بعدما اختار النائب عمار العيدودي توجيه انتقادات مباشرة إلى الرئيس قيس سعيد، واضعا على الطاولة ملفات تتصل بالأوضاع المعيشية، وتراجع الحياة السياسية، وعلاقة السلطة التنفيذية بالمؤسسة التشريعية، وصولا إلى إثارة تساؤلات بشأن شرعية الولاية الرئاسية الثانية.
وتكتسب مداخلة العيدودي أهميتها من كونها لم تكتف بانتقاد أداء الحكومة أو السياسات العمومية، وإنما ذهبت إلى مساءلة طريقة اشتغال مؤسسات الدولة نفسها، في لحظة سياسية تونسية لا تزال مثقلة بتداعيات التحولات التي عرفتها البلاد منذ السنوات الأخيرة، وما رافقها من إعادة ترتيب لموازين القوى بين الرئاسة والبرلمان والأحزاب والمجتمع المدني.
وفي الجانب الاجتماعي، قدم النائب صورة قاتمة عن واقع المواطنين، متحدثا عن تكرار انقطاعات المياه والكهرباء وتراجع الظروف المعيشية، معتبرا أن الحكومة تحولت، وفق توصيفه، من أداة لمعالجة مشاكل المواطنين إلى عبء إضافي عليهم. وهي انتقادات تضع الأداء الحكومي أمام اختبار القدرة على تحويل الخطاب السياسي إلى نتائج ملموسة في الحياة اليومية.
غير أن الجانب الأكثر حساسية في المداخلة تمثل في حديث العيدودي عن الحريات والحياة السياسية. فقد اتهم السلطة بتضييق هامش حرية التعبير وتهميش الأحزاب والمنظمات والمجتمع المدني، معتبرا أن ذلك أدى إلى إضعاف التعددية السياسية التي كانت تمثل إحدى أبرز سمات التجربة التونسية بعد الثورة.
وهنا يتجاوز النقاش مسألة أداء حكومة بعينها، ليطرح سؤالا أكبر حول طبيعة النظام السياسي الذي يتشكل في تونس. فحين تتراجع أدوار الأحزاب والمنظمات المدنية، ويتقلص المجال المتاح للنقاش السياسي، تصبح المؤسسة البرلمانية نفسها أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع أن تمارس دورها الرقابي والتشريعي باستقلالية وفعالية، أم أن توازن القوى يميل بشكل متزايد نحو مؤسسة الرئاسة؟
العيدودي ذهب أبعد من ذلك عندما اتهم الرئيس قيس سعيد بإضعاف دور مجلس نواب الشعب، منتقدا في الوقت نفسه ما اعتبره ضعف تفاعل الحكومة مع المؤسسة التشريعية. ومن منظور سياسي، فإن هذا الطرح يضع العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في قلب النقاش، باعتبار أن قوة البرلمان لا تقاس فقط بعدد جلساته أو القوانين التي يصادق عليها، وإنما بقدرته الفعلية على مساءلة الحكومة ومراقبة أدائها.
أما أخطر ما أثاره النائب، فيتعلق بالجانب الدستوري، بعدما طرح تساؤلات حول أداء الرئيس اليمين الدستورية في بداية ولايته الثانية، معتبرا أن الجلسة التي تمت خلالها العملية شابتها، وفق قراءته، إشكالات إجرائية مرتبطة بالنظام الداخلي للمجلس وتزامن الجلسة مع أشغال لم تكن قد استُكملت.
وبصرف النظر عن التقييم القانوني النهائي لهذه المسألة، فإن مجرد طرحها من داخل البرلمان يكشف استمرار وجود أسئلة سياسية ودستورية حول كيفية اشتغال المؤسسات التونسية. فالمسألة لا تتعلق فقط بصحة إجراء محدد، وإنما بما إذا كانت المؤسسات قادرة على معالجة الخلافات الدستورية عبر آليات واضحة وشفافة، بعيدا عن منطق الصراع السياسي أو التأويلات المتعارضة.
كما حمل العيدودي الرئيس مسؤولية سياسية عن طريقة تدبير مؤسسات الدولة والتعيينات التي شهدتها قطاعات مختلفة، في انتقاد يندرج ضمن صراع أوسع حول تركيز القرار السياسي ومدى استقلال المؤسسات التنفيذية والإدارية عن مركز السلطة.
وقد لقيت هذه المواقف تفاعلا من معارضين ونشطاء حقوقيين، رأوا فيها مؤشرا على أن الجدل بشأن المسار السياسي التونسي لم يغلق، وأن الأسئلة المتعلقة بالحريات والتعددية وتوازن السلطات لا تزال حاضرة بقوة في النقاش العام.
ويكتسب هذا النقاش حساسية إضافية في ظل استحضار قضايا سابقة طالت نوابا وشخصيات سياسية على خلفية مواقف أو تصريحات انتقدت الرئيس. ويستشهد بعض المتابعين في هذا السياق بقضية النائب أحمد سعيداني، باعتبارها إحدى القضايا التي تعكس، من وجهة نظرهم، حجم التوتر القائم بين السلطة وبعض الأصوات المعارضة.
وفي المحصلة، تكشف مداخلة العيدودي أن البرلمان التونسي لا يزال يمثل إحدى ساحات الاختبار الأساسية لطبيعة المرحلة السياسية التي تعيشها البلاد. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بالخلاف حول أداء حكومة أو موقف رئيس، وإنما تتعلق بالسؤال الأكبر حول مستقبل التوازن بين المؤسسات، وحدود السلطة التنفيذية، ومكانة المعارضة، وقدرة البرلمان على ممارسة دوره في مراقبة السلطة.
وبينما يرى أنصار الرئيس أن إعادة ترتيب المؤسسات كانت ضرورية لإنهاء حالة سياسية اتسمت بالتجاذبات والشلل، يعتبر منتقدوه أن استقرار الدولة لا يمكن أن يتحول إلى مبرر لتقليص التعددية أو إضعاف الرقابة البرلمانية والحريات العامة.
وبذلك، تعيد مداخلة نائب تونسي واحد إلى الواجهة سؤالا يتجاوز شخص قيس سعيد أو عمار العيدودي: أي تونس يريد التونسيون بناءها في المرحلة المقبلة؟ تونس تقوم على تركيز السلطة باسم الاستقرار، أم تونس تستعيد توازن مؤسساتها عبر تعددية سياسية ورقابة برلمانية ومساحة أوسع للاختلاف؟




















