حين يقرأ المرء البلاغ الصادر عن الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان حول ما وصفته بـ”النجاح الكبير” للوقفة الاحتجاجية المنظمة أمام الغرفة الفلاحية لجهة الرباط سلا القنيطرة، يعتقد للوهلة الأولى أنه أمام حدث استثنائي استقطب حشوداً من الفلاحين والمهنيين وأثار نقاشاً واسعاً داخل الأوساط الفلاحية. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل ما كُتب في البلاغ يعكس فعلاً ما جرى على أرض الواقع؟
في السياسة كما في العمل المدني، لا تُقاس النجاحات بالبلاغات ولا بالعبارات المنمقة، وإنما بما يراه الناس بأعينهم. لذلك يبدو من المشروع التساؤل حول الفارق بين لغة الانتصار التي طغت على البلاغ وبين الانطباع الذي خلفته الوقفة لدى عدد من المتابعين الذين اعتبروا أن الحضور كان محدوداً جدا يعد على رؤس الأصابع يتزعمهم السدراوي في مشهد بئيس، وأن الزخم الذي تحدث عنه المنظمون لم يكن بالقدر الذي صُوِّر للرأي العام.
الأكثر إثارة للنقاش أن الوقفة رُفعت خلالها شعارات ومطالب تتجاوز في بعض جوانبها اختصاصات الغرفة الفلاحية نفسها، ما جعل العديد من المتتبعين يتساءلون عما إذا كانت الغاية الحقيقية هي مساءلة مؤسسة مهنية بعينها أم توجيه رسائل سياسية في اتجاهات أخرى. فحين تتحول القضايا المهنية إلى منصات للصراع السياسي، يصبح من الصعب الفصل بين الدفاع عن مصالح الفلاحين وبين الحسابات المرتبطة بالمواقع والنفوذ.
ولا يحتاج المتابع إلى كثير من الجهد ليلاحظ أن بعض الهيئات والجمعيات أصبحت في السنوات الأخيرة حاضرة في معارك سياسية أكثر من حضورها في الملفات الحقوقية والمجتمعية التي تأسست من أجلها. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل نحن أمام مبادرات مدنية مستقلة بالفعل، أم أمام امتدادات لصراعات سياسية تبحث عن واجهات جديدة للتأثير والتعبئة؟
الفلاحون الذين يواجهون يومياً تحديات الجفاف وارتفاع كلفة الإنتاج وصعوبة التسويق يحتاجون إلى حلول واقعية وإلى مؤسسات قوية وفعالة، لا إلى معارك إعلامية تنتهي بمجرد صدور البلاغات. كما أن حماية المال العام ومراقبة المؤسسات المنتخبة تظل مطالب مشروعة، لكن هذه المطالب تكتسب قوتها من المعطيات والوثائق والوقائع، لا من لغة التهويل أو محاولات صناعة انتصارات إعلامية لا تجد ما يسندها على الأرض.
إن أكبر خطر يواجه العمل الحقوقي والمدني اليوم هو فقدان المصداقية. وعندما يصبح الفارق كبيراً بين ما تعلنه بعض الجهات وما يراه المواطنون بأعينهم، فإن الخاسر الأول ليس مؤسسة أو حزباً أو شخصاً بعينه، بل الثقة العامة في الفعل المدني نفسه. لذلك فإن المطلوب ليس المزيد من البلاغات المنتصرة، بل المزيد من الوضوح والصدق مع الرأي العام.





















