لم تكن العملية مجرد حملة اعتقالات، بل سباقا مع الزمن. ففي الساعات الأولى من صباح الاثنين، تحركت فرق التدخل الخاصة التابعة للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني بشكل متزامن في سبع مدن مغربية، لتضع حدا لمشروع إرهابي بلغ مرحلة متقدمة من الإعداد، تقوده خلية مرتبطة مباشرة بفرع تنظيم “داعش” في منطقة الساحل الإفريقي.
وبينما كان الرأي العام يتابع تفاصيل التوقيفات، كانت الرسالة الأهم تختبئ بين سطور البلاغ الرسمي: المغرب لم يفكك خلية متطرفة فحسب، بل أوقف عملية كانت قد انتقلت من مرحلة التطرف الفكري إلى مرحلة التنفيذ العملياتي.
فالأسلحة البيضاء، والمواد الكيميائية، وطناجر الضغط المعدلة، والسيارة التي جرى تجهيزها لتنفيذ عملية انتحارية أو هجوم دهس، كلها مؤشرات على أن المشروع تجاوز مرحلة النوايا، وأصبح قابلا للتنفيذ في أي لحظة.
الساحل… عندما يقترب الخطر من الحدود
تكشف هذه العملية عن تحول مهم في طبيعة التهديد الإرهابي الذي يواجهه المغرب.
فبعد سنوات كان فيها تنظيم “داعش” يستقطب المقاتلين نحو بؤر التوتر في العراق وسوريا، يبدو أن استراتيجيته تغيرت جذريا. فاليوم، أصبحت منطقة الساحل الإفريقي تمثل مركز الثقل الجديد للتنظيم، ومنها يحاول تصدير خلاياه إلى الدول الأكثر استقرارا.
وتشير المعطيات التي كشفها المكتب المركزي للأبحاث القضائية إلى أن أفراد الخلية تلقوا توجيهات مباشرة من قيادات التنظيم في الساحل، تقضي بعدم الالتحاق بمعاقله الخارجية، بل البقاء داخل المغرب لتنفيذ عمليات إرهابية على التراب الوطني.
وهو تطور يعكس انتقال التنظيم من منطق “تجميع المقاتلين” إلى منطق “توطين الإرهاب”، عبر إنشاء خلايا محلية تتلقى التعليمات عن بعد وتتحرك عند صدور الأوامر.
خلية تشتغل بمنطق المؤسسة
اللافت في هذه القضية أن التحقيقات الأولية لا تصف مجموعة من الأفراد تجمعهم الأفكار المتشددة، بل تكشف عن تنظيم داخلي يقوم على تقسيم دقيق للمهام.
فأحد العناصر مكلف بتحديد الأهداف، وآخر بالرصد والاستطلاع، وثالث بتوفير المعدات، بينما يتولى “الأمير” التنسيق مع القيادة الخارجية.
هذا النمط يعكس تطورا واضحا في أساليب التنظيمات الإرهابية، التي باتت تعتمد هيكلة أقرب إلى الوحدات العسكرية الصغيرة، بما يسمح لها بالعمل في سرية وتقليل هامش الاختراق.
السيارة التي غيرت مسار العملية
من بين أكثر المعطيات إثارة للانتباه، العثور داخل مستودع بمدينة إنزكان على سيارة رباعية الدفع جرى تعديل نظام تشغيلها لتعمل بغاز البوتان.
ولا يتعلق الأمر بتعديل ميكانيكي عادي، بل بمؤشر على إعداد وسيلة يمكن استخدامها في عملية تفجير انتحارية أو هجوم دهس ضد منشآت أو أهداف حساسة.
ولذلك لم تتعامل الأجهزة الأمنية مع السيارة باعتبارها مجرد محجوز، بل فعّلت بروتوكول الطوارئ كاملا: إجلاء السكان، إغلاق محيط المستودع، والاستعانة بخبراء المتفجرات وروبوتات متخصصة وأجهزة استشعار دقيقة قبل مباشرة المعاينات التقنية.
وهي إجراءات تعكس حجم التهديد الذي كانت تمثله هذه الوسيلة، كما تعكس في الوقت نفسه مستوى الجاهزية التقنية الذي بلغته المصالح الأمنية المغربية.
ورشة لتصنيع أدوات القتل
داخل المستودع نفسه، عثرت فرق البحث على مشهد يعكس طبيعة المشروع أكثر مما تعكسه الكلمات.
قنينات غاز، وطناجر ضغط، وأسلاك كهربائية، ومسامير، وآلات تلحيم، ومواد كيميائية صلبة وسائلة… وهي مكونات ارتبطت في تجارب إرهابية سابقة حول العالم بصناعة عبوات ناسفة بدائية لكنها شديدة التدمير.
كما ضُبطت مخطوطات تتضمن شروحات لصناعة المتفجرات، إلى جانب تسجيلات لإعلان البيعة لتنظيم “داعش” ورسائل تهديد تستهدف المغرب.
هذه العناصر تجعل القضية أقرب إلى ورشة كانت تستعد للانتقال إلى التنفيذ، وليس مجرد فضاء لتداول أفكار متطرفة.
لماذا المغرب؟
منذ سنوات، أصبح المغرب أحد أبرز الفاعلين الإقليميين في مكافحة الإرهاب، ليس فقط من خلال تفكيك الخلايا داخل حدوده، بل أيضا عبر التعاون الاستخباراتي مع عدد من الدول الأوروبية والإفريقية والأمريكية.
وقد جعل هذا الدور المملكة هدفا دائما للتنظيمات الإرهابية التي تعتبر أن ضرب الاستقرار المغربي يحمل بعدا رمزيا وسياسيا يتجاوز حدوده الوطنية.
فالرهان بالنسبة لهذه التنظيمات لا يقتصر على إيقاع أكبر عدد من الضحايا، بل يمتد إلى محاولة ضرب صورة بلد نجح في ترسيخ نموذج أمني قائم على الاستباق، والتنسيق الاستخباراتي، والتحديث المستمر لوسائل المواجهة.
الحرب التي لا يراها أحد
تكشف هذه العملية أن المعركة ضد الإرهاب لا تبدأ عند تنفيذ الاعتقالات، بل قبل ذلك بكثير.
إنها حرب صامتة تدور في فضاء المعلومات، حيث تتحول المعطيات الاستخباراتية إلى عمليات تحليل، ثم إلى مراقبة ميدانية، قبل أن تنتهي بتدخل محسوب يمنع وقوع الجريمة أصلا.
ولهذا، فإن أكبر نجاح أمني لا يقاس بعدد المتفجرات المحجوزة أو الأشخاص الموقوفين، بل بعدد الأرواح التي لم تفقد، وعدد المآسي التي لم تقع.
وفي عالم يتغير فيه الإرهاب باستمرار، يبدو أن المغرب يواصل الرهان على السلاح الأكثر حسما: الاستخبارات الاستباقية.
ففي هذه الحرب، لا يُحتفل بالانتصارات لأنها وقعت، بل لأنها منعت الكارثة قبل أن تصبح خبرا على شاشات العالم.

































