نجيبة جلال /
لا أخاف على هذا البلد.
ولم أخف عليه يوماً.
كلما ارتفعت لغة التهديد، واشتد خطاب الانتقام، وخرجت إلى العلن عقلية الإقصاء، ازددت اقتناعاً بأن الدولة تمضي في الاتجاه الصحيح.
لأن الذين يصرخون أكثر، هم غالباً الذين يشعرون بأن زمنهم يقترب من نهايته.
معركة المجلس الوطني للصحافة ليست معركة مقاعد.
وليس صحيحاً أنها معركة انتخابية عادية.
إنها معركة بين تصورين.
تصور يؤمن بأن المؤسسات ملك للدولة، وتعمل بالقانون، وتتجدد بالكفاءات.
وتصور آخر يرى أن المؤسسات إرث شخصي، وأن المناصب حقوق مكتسبة، وأن كل ما يوجد داخل القطاع يجب أن يبقى تحت وصايته.
حين دافعنا عن مشروع إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، لم ندافع عن حكومة، ولا عن وزير، ولا عن أشخاص.
دافعنا عن فلسفة الدولة.
عن دولة اختارت أن تجعل الحكامة بديلاً عن الفوضى، والمؤسسات بديلاً عن الأشخاص، والقانون بديلاً عن الولاءات.
لكن البعض لم يقرأ القانون.
قرأ الكرسي.
ولذلك حاول منذ البداية أن ينسب المشروع إلى نفسه، وكأنه صاحب الفكرة وصانعها، بينما الحقيقة أن القوانين في الدول لا يصنعها الأفراد، وإنما تصنعها المؤسسات.
ثم جاءت المحكمة الدستورية.
ولم تقل سوى ما كان يجب أن يقال.
و قرارها كان إشعارا تم التوصل به
وضعت كل شيء في مكانه.
وأعادت كل طرف إلى حجمه.
وكان قرارها، في جوهره، إعلاناً بانتهاء مرحلة وبداية أخرى.
غير أن هناك من لم يستوعب الرسالة بعد.
وما زال يتصرف بمنطق “كل شيء لنا”.
المجلس لنا.
التمثيلية لنا.
القطاع لنا.
وحتى القانون… يريدونه على مقاسهم.
لكن القانون كان أوضح منهم جميعاً.
لم يتحدث عن الأسماء.
ولا عن التاريخ النضالي.
ولا عن الصداقات.
ولا عن الولاءات.
بل تحدث عن الهيئات الأكثر تمثيلية، وعن المقاولة الصحفية، وعن الاستثمار، وعن عدد المشتغلين، وعن معايير موضوعية أرادها المشرع أساساً للشرعية.
فهل سنحترم روح القانون؟
أم سنلتف عليه لنصنع مجلساً يشبه الماضي، بينما المغرب كله يتجه نحو المستقبل؟
المغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس.
إنه مغرب محمد السادس.
مغرب المؤسسات.
مغرب الاستثمار.
مغرب الذكاء الاصطناعي.
مغرب الاقتصاد الصاعد.
فهل يعقل أن يبقى قطاع الصحافة وحده أسيراً لعقليات لا تؤمن إلا بالوصاية والاحتكار؟
أشهدكم، يا عقلاء هذا البلد، أن الفقر يمكن تجاوزه.
وأن الصناعة يمكن تطويرها.
وأن الجهل يمكن أن تهزمه المدرسة.
لكن هناك مرضاً لا دواء له.
أن يكفر الإنسان بوطنه.
أن يكفر بمؤسساته.
أن يكفر بقانونه.
وأن يعتقد أن الفوضى والبلطجة والابتزاز يمكن أن تكون مشروعاً لإدارة قطاع يفترض أنه يحمل رسالة التنوير.
لهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: من سيدخل المجلس؟
السؤال هو: أي مجلس نريد؟
مجلس يمثل مغرب الدولة…
أم مجلس يمثل جمهورية الكراسي؟
ذلك هو الامتحان الحقيقي.
وليس امتحان الصحافة وحدها…
بل امتحان قدرتنا جميعاً على التمييز بين الدولة… والغنيمة.





















