الدكتور رشيد شرقاب، الذي يصفه أنصاره اليوم بـ«طبيب الفقراء»، هو نفسه من تقدّم بشكاية ضد البروفيسور الحسين بارو، أستاذ التخدير والإنعاش ورئيس المصلحة التي كان يعمل بها في المستشفى الجامعي ابن رشد. وشملت شكايته أيضاً الممرضة سلمى العيسي، التي سبق أن اشتكت منه. وعلى إثرها، تابعت النيابة العامة بارو والعيسي في قضية تتعلق بصنع شهادة تتضمن وقائع غير صحيحة والمشاركة في صنعها واستعمالها. وفي 19 مارس 2024، قضت المحكمة الابتدائية الزجرية بالدار البيضاء ببراءتهما.
هذا هو الفصل الذي عدنا إليه بعد نشر مقالنا السابق. فلقب «طبيب الفقراء» يعبّر عن تقدير من عرفوا خدمات شرقاب. أما حين نتحدث عن نزاع بين طبيب وممرضة ورئيس مصلحة، فمن حق القارئ أن يعرف من اشتكى بمن، وما الذي استند إليه كل طرف، وما الذي قضت به المحكمة. وفي هذه القصة، كانت سلمى العيسي مشتكية من شرقاب، ثم وجدت نفسها متابَعة على إثر شكاية وضعها هو ضدها وضد رئيس المصلحة الذي لجأت إليه.
سلمى العيسي من صاحبة شكاية إلى متابَعة
بحسب ما أورده الحكم، قالت سلمى العيسي إنها حرّرت شكاية ضد شرقاب في 22 فبراير 2019، بعدما نسبت إليه وقائع تهديد وسبّ وتعنيف وتحرش. وعرضت الشكاية، وفق روايتها، على البروفيسور بارو، فأشّر عليها بعبارة «VU ET TRANSMIS» وأعادها إليها. وقالت إنها احتفظت بها ولم تودعها بمكتب الضبط. وفي 4 فبراير 2022، حرّر بارو إشهاداً يفيد بأنها سبق أن اشتكت إليه من تصرفات شرقاب، من دون أن يذكر صراحةً شكاية فبراير 2019.
قال شرقاب إن الشكاية المؤرخة في 2019 صُنعت في وقت لاحق لاستعمالها في إخراج شكاية ضده من الحفظ. واستند، ضمن ما استند إليه، إلى غياب أثر لها بمكتب الضبط. وتابعت النيابة العامة بارو من أجل صنع شهادة تتضمن عن علم وقائع وبيانات غير صحيحة، والعيسي من أجل المشاركة في صنعها واستعمالها. وطالب دفاع شرقاب بتعويض قدره مليونا درهم.
اعتبرت المحكمة أن عدم إحالة الشكاية على الإدارة لا يكفي لقيام الجريمة، وخلصت إلى أنه لم يثبت أن المحرر حُرّر في تاريخ لاحق للتاريخ الذي يحمله. فقضت ببراءة بارو والعيسي ابتدائياً، وصرّحت بعدم اختصاصها للبت في المطالب المدنية التابعة.
حين تتبدّل الأدوار
كان من حق شرقاب أن يلجأ إلى القضاء، كما كان من حق العيسي أن تشتكي. والسؤال الأخلاقي يتعلق بجسامة الاتهام الذي وجّهه شرقاب إلى استاذه اليروفيسور بارو والعيسي وبما كان يسنده. فمن يطالب اليوم بتمحيص الأدلة ضد شرقاب، عليه أن يقبل بتمحيص الأدلة التي استند إليها شرقاب نفسه حين اتهم رئيس مصلحته والممرضة التي سبق أن اشتكت منه.
وفي ملف منفصل، سبق أن أوردنا أن شرقاب أُدين ابتدائياً بالعنف النفسي في حق امرأة والسب في حق امرأة بسبب جنسها، وقُضي في حقه بثلاثة أشهر حبساً موقوف التنفيذ وغرامة قدرها 500 درهم، مع تبرئته من تهمة التحرش الجنسي. ونقلنا أيضاً عن محامية بعض المشتكيات حديثهن عن النفوذ الذي نسبنه إليه في محيط العمل. واليوم يطرح دفاع شرقاب بدوره سؤالاً عن صلة متابعته بمطالبته بالتحقيق في شبهات اختلالات داخل المستشفى. ولكل ادعاء أدلته، ولكل ملف حكمه.
للذين عرفوا شرقاب طبيباً قريباً من الفقراء أن يشهدوا له بما رأوه. وللبروفيسور بارو وسلمى العيسي أن تُروى قضيتهما بالقدر نفسه من الإنصاف. فصورة «الملاك» التي تصنعها بعض حملات التضامن تضيق بوقائع كهذه. ومهمة الصحافة أن ترويها كاملة، حتى حين تتبدّل فيها مواقع المشتكي والمتابَع.



















