لم نخسر معركة الرأي العام، لأن هذه المعركة لا تُحسم في يوم واحد، ولا تنتهي بصورة أو بواقعة واحدة . لكن علينا أن نمتلك شجاعة الاعتراف بأننا خسرنا جولة مؤلمة، وأن صورة المغرب في الخارج تلقت ضربة لا يجوز التقليل من آثارها.
ما راكمه المغرب خلال سنوات من صورة بلد مستقر ومنفتح وآمن، وما صنعه التألق التاريخي للمنتخب الوطني في مونديال قطر من تعاطف عالمي غير مسبوق، جاءت أحداث سبتة لتربك جزءا منه خلال ساعات.
والمغاربة المقيمون في إسبانيا و في دول أوروبية، يدركون أن شيئا ما تغير. تغيرت النظرات والأسئلة، وبدأ اسم المغرب يُتداول داخل جزء من النقاش العام الدولي بطريقة مختلفة.
اشتغل جانب من الإعلام الدولي في شيطنة بلادنا، وفي تقديم الأحداث ضمن سردية تختزل المغرب في الفوضى والهجرة والضغط والتهديد.
ليس أخطر ما حدث هو عبور أشخاص إلى سبتة، بل عبور صورة سلبية عن المغرب إلى أذهان الملايين.
ويجب أن ندرك جميعا أن معركتنا الإعلامية اليوم هي معركة الصورة.
الرأي العام في عالم اليوم لا تصنعه الحكومات وحدها، ولا يتشكل فقط من البلاغات الرسمية، مهما بلغت دقتها، نحن أمام منظومة عالمية متكاملة تعمل على مدار الساعة: قنوات تلفزيونية، صحف، مواقع إلكترونية، منصات اجتماعية، مؤثرون، خبراء، مراكز أبحاث وخوارزميات تدفع بالمحتوى الأكثر إثارة إلى ملايين الشاشات.
إنها صناعة ثقيلة للوعي والصورة، وليست مجرد تغطية للأحداث.
لذلك، يجب أن يرتقي إعلامنا إلى مستوى فهم هذه المنظومة وآليات اشتغالها. لا يكفي أن نرد على مقال بمقال، أو على فيديو بفيديو، أو أن نكرر أن ما يُقال عنا غير صحيح. المطلوب هو امتلاك القدرة على بناء روايتنا وتقديمها إلى العالم، عوض انتظار روايات الآخرين ثم الدخول متأخرين في دوامة النفي والتوضيح.
ولهذا كنت دائما أقول إن قوة المقاولة الإعلامية لا تُقاس فقط برقم معاملاتها أو بحجم مداخيلها الإعلانية، بل بقيمة أصلها التجاري، وبرصيدها من الثقة والمصداقية، وبقوتها في التأثير، ومدى قدرتها على فهم التحولات العالمية التي أعادت تشكيل وعي المتلقي وسلوكه.
فالمتلقي ليس مجرد مستهلك ينتظر ما تقدمه له الصحيفة أو القناة. لقد أصبح شريكا في إنتاج الخبر وتداوله ومناقشته، وانتقل من شاشة واحدة ومصدر واحد إلى فضاء رقمي مفتوح وسريع ومتعدد المنصات. والمؤسسة الإعلامية التي لا تفهم هذا التحول، ولا تطور أدواتها ولغتها وطرق وصولها إلى الجمهور، قد تحقق أرقاما مؤقتة، لكنها ستفقد تدريجيا قيمتها الحقيقية وقدرتها على التأثير.
إن أهم أصول المقاولة الإعلامية ليست مكاتبها ولا تجهيزاتها ولا حجم إعلاناتها، بل الثقة التي راكمتها، والجمهور الذي يصدقها، والمكانة التي تحتلها في معركة تشكيل الوعي. فالمال يستطيع إنشاء منصة، لكنه لا يصنع بالضرورة مؤسسة إعلامية؛ والإعلانات قد تموّل المقاولة، لكن المصداقية والتأثير وحدهما يمنحانها القوة والاستمرار.
لقد حان الوقت أيضا للخروج من نفق «صحافة الأشخاص»؛ تلك الصحافة التي تُبنى حول أسماء بعينها، وتتحول فيها القضايا الوطنية إلى معارك شخصية، ويُقاس فيها النجاح بعدد المشاهدات والخصومات، لا بمدى التأثير في الوعي العام والقدرة على الدفاع عن صورة البلاد ومصالحها.
الدول لا تدافع عن صورتها بمنطق الأشخاص، بل بقوة المؤسسات، واستمرارية العمل، وتراكم الخبرة والتخصص.
نحتاج إلى صحافة تعرف كيف تتحدث إلى الخارج بلغاته ومفاهيمه، وتفهم طبيعة المجتمعات التي تخاطبها. نحتاج إلى صحافيين يتقنون الإسبانية والفرنسية والإنجليزية، وإلى منصات قادرة على الوصول إلى الجمهور الأوروبي، وإلى تحقيقات وبيانات وصور وشهادات تُنشر في الوقت المناسب، قبل أن تستقر الرواية المضادة في الأذهان وتتحول، بفعل التكرار، إلى حقيقة يصعب تفكيكها.
إنها مسؤولية الناشرين.
فالناشر ليس مجرد صاحب مقاولة تبحث عن الإعلانات والدعم ونسب المشاهدة، بل هو فاعل في صناعة الوعي، وشريك في حماية صورة بلده والدفاع عن مصالحه العليا. ولا يمكن أن نستمر في مطالبة الدولة وحدها بخوض معركة الرأي العام، بينما ينشغل جزء من إعلامنا بصراعات الأشخاص، ونقل الإشاعات، وإعادة تدوير خطاب خصوم المغرب بحثا عن التفاعل.
أما مواقع التواصل الاجتماعي فليست عالما منفصلا عن إعلامنا، بل هي، في جانب كبير منها، مرآة لما تنتجه صحافتنا. عندما يكون الإعلام سريعا ومهنيا وموثوقا، يجد المواطن مادة صلبة يدافع بها عن بلده. وعندما يتأخر الإعلام أو يغرق في التفاهة، يترك الفراغ للإشاعة والحسابات المجهولة والروايات المعادية.
معركة الرأي العام لم تُخسر، لكنها ما تزال مفتوحة. ولا يزال أمامنا الوقت لاستعادة المبادرة، شريطة أن نعترف بحجم الخلل، وأن نغادر صحافة الأشخاص إلى إعلام المؤسسات، ومنطق رد الفعل إلى صناعة التأثير، والاكتفاء بمخاطبة أنفسنا إلى امتلاك القدرة على مخاطبة العالم.
البلدان لا تُهزم فقط عندما تخسر مواقع على الأرض؛ قد تخسر أيضا عندما تترك صورتها بلا دفاع في عقول الناس.
والمغرب الذي عرف كيف يحقق الانتصارات في الملاعب، ويرسخ حضوره في السياسة والاقتصاد والدبلوماسية، قادر على كسب معركة الصورة. لكن ذلك يحتاج إلى إعلام يفهم أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالشخصنة، بل بالمعلومة والمصداقية والاحتراف، وبالوصول إلى الآخر قبل أن يصل إليه خصومنا.





















